مقالات

أَحْكَامُ شَهْرِ الله المُحَرَّم
أَحْكَامُ شَهْرِ الله المُحَرَّم

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه

 

 

بقلم الباحث: د. محمد بن علي اليولو الجزولي*

-باحث بمركز ابن القطان-

تمهيد:

      الحمد لله الذي جعل الليل والنهار آيتين لمن أراد أن يذَّكر أو أراد شُكورا، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدين.

      وبعد، فإن للأيام والشهور في الشريعة الإسلامية أبعادًا قيمية كبرى، ومقَاصدا سنيّة عُظمى، وتجَلِّيات فُضْلى، وذلك لما تحويه من نفحات، وأحكام،  وفضائل، ودروس وعبر، خاصة وأن الله عز وجل قد شرفها بالذكر، ودعا عباده  الصالحين إلى اغتنام العمل في أوقاتها، واستجلاب الرحمات في صيام أيامها، وقيام لياليها.

      ومن بين هذه الشهور الفضيلة، التي لها وقع في حياة المسلمين شهر الله المحرم الذي نستقبله هذه الأيام، وهو من الشهور الحُرم التي عظمها الله تعالى وذكرها في كتابه فقال سبحانه وتعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) [1].

      وشرف الله تعالى هذا الشهر من بين سائر الشهور فسمي بشهر الله المحرم «سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي الليل خير وأي الأشهر أفضل؟ فقال: خير الليل جوفه وأفضل الأشهر شهر الله الذي تدعونه المحرم»[2]، وأضافه إلى نفسه تشريفاً له وإشارة إلى أنه حرمه بنفسه وليس لأحد من الخلق تحليله، لما رواه أَبو بَكْرَةَ رضي الله عنه عن النبي  صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم: ثلاث متواليات، ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» [3]، وقد كانت العرب تعظمه في الجاهلية وكان يسمى بشهر الله الأصم من شدة تحريمه.

       وشهر الله المحرم هو أول شهر من الأشهر الهجرية، وأحد الأربعة الأشهر الحرم، حيث وردت في كتاب الله تعالى، وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أحكاما تخص هذا الشهر الفضيل.

      ولأهمية الموضوع  أفردته بهذا المقال الذي سأتناول فيه إن شاء الله تعالى ما ورد في أحكامه من أحاديث وآثار صحيحة فأقول وبالله اعتمادي وسندي:

أحكام شهر محرم وما ورد فيه من الأحاديث والآثار

أولًا: تحريم ابتداء القتال فيه:   

     حيث من أحكامه الكبرى تحريم ابتداء قتال المشركين فيه وذلك في قوله تعالى: ﴿ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ[4]؛ أي: في هذه الأشهر المحرَّمة؛ لأنها آكدُ وأبلغ في الإثم من غيرها؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ[5] اختصَّ من ذلك أربعة أشهر، فجعلهنَّ حرامًا، وعظَّم حُرماتهنَّ، وجَعل الذنب فيهنَّ أعظمَ، والعملَ الصالح والأجر أعظمَ[6].

ثانيًا: استحباب الإكثار من صيامه:

      أنه يُستحب الإكثار من صيام النافلة في شهر محرَّم؛ ففي الحديث الذي أخرجه مسلم : من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل الصيام بعد شهر رمضان صيام شهر الله المحرم» [7].

ثالثًا: استحباب تخصيص يوم عاشوراء منه بالصيام لفضله:

     عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر محرم، ولهذا اليوم مزية، ولصومه فضل، قد اختصه الله تعالى به، وحث عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك لأنه اليوم الذي أنجى الله تعالى فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً، ثم صامه النبي صلى الله عليه وسلم لما رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسئلوا عن ذلك، فقالوا: هذا اليوم الذي أظهر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون، فنحن نصومه تعظيماً له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن أولى بموسى منكم، فأمر بصيامه» [8]، وفي رواية أخرى لمسلم: «فصامه موسى شكراً، فنحن نصومه» [9]، وورد في فضل صيام يوم عاشوراء، قول النبي صلى الله عليه وسلم : «صيام يوم عاشوراء، أحتسبُ على الله أن يكفِّر السنة التي قبله» [10].

والحمد لله رب العالمين

**************

جريدة المصادر والمراجع:

1- تفسير القرآن العظيم: لأبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري، ت: سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط2، 1420هـ/ 1999 م.

2- الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه: لمحمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، دار ابن كثير، دمشق، ط1، 1423هـ/2002م.

3- السنن الكبرى:لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، النسائي حققه وخرج أحاديثه: حسن عبد المنعم شلبي، أشرف عليه: شعيب الأرناؤوط، قدم له: عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة – بيروت، ط1، 1421 هـ/2001 م.

4- المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: لمسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، ت: أبو قتيبة نظر محمد الفاريابي، دار طيبة، الرياض، ط1، 1427هـ/2006م.

 

هوامش المقال:

**************

([1]) ـ التوبة: 36.

([2]) ـ رواه النسائي في الكبرى في كتاب: المناسك، باب: أي الأشهر الحرم أفضل (4 /233) من حديث عن أبي ذر رضي الله عنه.

([3]) ـ أخرجه البخاري في صحيحه  كتاب: تفسير القرآن، باب: قوله تعالى إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهر (ص: 1150)(رقم: 4662)، ومسلم في صحيحه كناب: القسامة، باب: تغليظ ترك الدماء (2 /799) (برقم: 1679).

([4]) ـ التوبة: 36.

([5]) ـ التوبة: 36.

([6]) ـ انظر: تفسير القرآن العظيم: لابن كثير الدمشقي (4 /148).

([7]) ـ  رواه مسلم في صحيحه كتاب: الصيام، باب: فضل صوم المحرم،(1 /520) رقم: (1163).

([8]) ـ رواه مسلم في صحيحه كتاب: الصيام، باب: صوم يوم عاشوراء، (1 /504) رقم: (1130).

([9]) ـ  المصدر السابق.

([10]) ـ رواه مسلم في صحيحه كتاب: الصيام، باب: باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر وصوم يوم عرفة وعاشوراء والاثنين والخميس (1 /518)(1162) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

*راجعت المقال الباحثة: خديجة أبوري



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

المصنفات في فضائل المسجد النبوي «جرد بيبلوغرافي

المصنفات في فضائل المسجد النبوي «جرد بيبلوغرافي

اهتم العلماء بالتأليف في فضائل الأمكنة والبقاع، وجمع وإيراد ما ذُكر حولها من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية التي تبين ذلك،  ومن الأمكنة التي خُصَّت فضائلها بالتأليف: فضائل المسجد النبوي، فمنهم من ألف في فضائل المدينة عامة وجعل فضائل المسجد النبوي بابا من أبوابه، ومنهم من ألف في فضائل الحرمين أو فضائل المساجد الثلاثة، وقل حسب علمي من أفرد المسجد النبوي بالتصنيف....

بعض معاني وأهداف الهجرة النبوية

بعض معاني وأهداف الهجرة النبوية

لم تكن هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في سبيل الله بدعا، بل هي سنة قديمة في حياة الرسل لإيجاد وسط سليم لنشر التوحيد، وتقبله والاستجابة له، والذود عنه، فهذا النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان قد هاجر من مسقط رأسه مكة إلى المدينة المنورة من أجل ذات الهدف؛ ذلك أن بقاء النبي صلى الله عليه وسلم في أرض يلقى من أهلها الأذى ويتوعدونه بالقتل...

الهِجْرَةُ وَمَبْدَأُ التَّارِيخ الإِسْلامِي

الهِجْرَةُ وَمَبْدَأُ التَّارِيخ الإِسْلامِي

إن الهجرة مرحلة خطيرة فَارقية في تاريخ المسلمين؛ حيث فرَّقت بين مرحلتين حاسمتين : الجَاهلية والإسلام، فكانت الهجرة بذلك بمثابة وسَام شرف، وتَاج عز للمهاجرين الأولين من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، حيث أكد المولى سبحانه وتعالى هذا الفضل للمهاجرين في عدة آيات من كتابه العزيز، منها قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)