من أعلام الحديث

العلامة المحدث الشيخ سيدي عبد الله التليدي رحمه الله، وجهوده في خدمة السنة النبوية تدريسا وتأليفا
العلامة المحدث الشيخ سيدي عبد الله التليدي رحمه الله، وجهوده في خدمة السنة النبوية تدريسا وتأليفا

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

القسم الثاني

ثانيا: من جهود العلامة التليدي في خدمة الحديث النبوي تدريسا وإقراء:

      إن الحصيلة العلمية المتينة التي تلقاها شيخنا المحدث الحافظ سيدي عبد الله التليدي رحمه الله تعالى، عن مشايخه في علوم الآلة، والعقيدة، والفقه، والتفسير، ثم دراسته على يد أقطاب أسرة من كبار الأسر العلمية التي اشتهرت بالتمكن والإمامة في الحديث النبوي الشريف وعلومه، على مستوى العالم الإسلامي، وهي أسرة آل الصديق الغماريين؛ خصوصا الحافظين المحدثين الكبيرين: السيد أحمد، والسيد عبد العزيز، ابني العلامة الصوفي الشيخ سيدي محمد بن الصديق الغماري رحمهم الله...، ومطالعاته الواسعة والمتنوعة؛كل هذا أهل شيخنا للتضلع من الحديث النبوي وعلومه، والتمكن من ناصيته؛ حتى قال رحمه الله وأرضاه متحدثا بنعم الله عليه: "أنه مر على أكثر من خمسين ألف حديث، وأنه أصبح يستحضر أكثر الأحاديث النبوية، ويعرف الضعيف أو الموضوع منها بمجرد سماعه... وله إلمام بالصناعة الحديثية، بحيث يستطيع أن يصحح، أو يحسن، أو يضعف حسب القواعد الحديثية، فالحمد لله على ذلك".[1]

ولما تفرغ شيخنا لتدريس الطلبة، كان من جملة المواد التي درسها:- إلى جانب علوم الآلة، والتفسير، والفقه، والتوحيد وغيرها...- كتب الحديث النبوي الشريف؛ بما في ذلك الأمات الأصول المسندة، وكتب الأحكام، ومصنفات المصطلح المختصرة والموسعة، وغير ذلك من الكتب والأجزاء الحديثية...

وقد تيسر لشيخنا في هذا الباب ما لم يتيسر لغيره، فقد أنعم الله عليه وختم مع طلبته أمهات السنة رواية ودراية، فدرَّس:

صحيحي البخاري ومسلم أكثر من خمس مرات، وسنن أبي داود، والترمذي (بتهذيبه)، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي، وموطأ مالك، ومسند الإمام أحمد، كلها كاملة، وجل السنن الكبير للبيهقي...

وعمدة الأحكام، وبلوغ المرام كلاهما مرات عديدة، ونيل الأوطار للشوكاني أكثر من ثلاث مرات، والأدب المفرد للبخاري، والأربعين النووية...مرات عديدة، هذا بالإضافة إلى كتب السيرة، والشمائل، والخصائص النبوية، إلى غير ما هنالك من كتب الرقائق...

     وقد من الله عليه فختم مع طلبته جملة من كتب السنة والسيرة في الحرمين الشريفين، ومن ذلك: شمائل الترمذي، وعمدة الأحكام للمقدسي، وتهذيبه للشفا للقاضي عياض، ونور العيون في تلخيص سيرة الأمين المأمون لابن سيد الناس، ونظم المتناثر من الحديث المتواتر للكتاني،[2] كما ختم فيهما أيضا كتبه: بداية الوصول، وتهذيب الخصائص، ودلائل التوحيد[3].

ولما زرت الشيخ في شعبان سنة 1432هـ، وجدته يدرس صحيح البخاري، وكتابيه: بداية الوصول بلب صحيح الأمهات والأصول، والجواهر واللآلئ المصنوعة في تفسير القرآن العظيم بالأحاديث الصحيحة المرفوعة.

     ثم زرته بعد ذلك حوالي سنة 1434هـ، فوجدته يدرس صحيح مسلم، والشمائل للترمذي.

وهذا يدل على أن الشيخ رحمه الله تعالى؛ كان رغم تقدم السن به، مستمرا بجد في تدريس وإقراء كتب السنة والحديث النبوي الشريف.

ويصف أحد تلامذة الشيخ مجالس إقرائه وتدريسه لأصول كتب السنة المشرفة، فيقول:  "يقوم فيها بسرد وقراءة الكتب الحديثية المشهورة كالكتب التسعة، واقفا عند كل حديث، ليستنبط منه فوائد فقهية وعلمية وأصولية، وإذا كان في السند من تكلم فيه أشار إليه مع بيان درجة الحديث من جهة الصحة والضعف والقبول والرد. وكثيرا ما يقف عند غريب الألفاظ ودقيق المعاني النبوية وجوامع كلمه ﷺ، مع التنبيه على الناسخ والمنسوخ، والخاص والعام، والمطلق والمقيد. وفي بعض الأحيان يتوقف عند شخصية عظيمة من رجال السند ليذكر مناقبه وسيرةحياته وبعضا من قصصه وحكاياته".[4]

     وقد كان شيخنا نور الله مرقده؛ مقصد الطلبة وأهل العلم من مختلف بقاع العالم لأجل الأخذ عنه والرواية بواسطته؛ وربما استدعوه إلى بلدانهم قصد قراءة أمهات السنة، والمشهور من الأجزاء الحديثية على يد فضيلته؛ وذلك لما تميز به من علو إسناده في الرواية؛ إذ نجد من مشايخه الذين أجازوه إجازة عامة في الرواية؛ السادةَ الأعلام: الحفاظَ الأشقاءَ الثلاثةَ: السيدَ أحمد، والسيد عبد الله، والسيد عبد العزيز أبناء الصديق الغماريين، ومسندَ العصر العلامة محمد ياسين الفاداني، والعلامة محمد الباقر الكتاني، والعلامة محمد المنتصر الكتاني، والعلامة صالح الأركاني، والعلامة محمد عاشق البرني، والعلامة عبد الفتاح أبا غدة، والعلامة علي البوديلمي، والعلامة عبد الله اللحجي، والعلامة محمد عبد الرشيد النعماني، والعلامة محمد الشاذلي النيفر، والعلامة شيخ الشاذلية محمد بن إبراهيم الفاسي المكي، والعلامة أبا الحسن الندوي، والشيخة الفاضلة المعمرة الشريفة فاطمة بنت أحمد السنوسي، وغيرهم...ممن ذكرهم في نص إجازته التي كان يجيز بها من يطلب منه ذلك؛ وهو بالمئات إن لم يكونوا بالآلاف، فما كان يمر يوم دون أن يأتي شيخَنا من يزورُه ليسجيزَه، أو دون أن تأتيَه الاستدعاءات بذلك من أقَاصِي المعمُورَة.

وقداستدعي رحمه الله مؤخرا قبل بضع سنوات إلى مملكة البحرين، فقام فيها بإقراء وإسماع صحيح البخاري من أوله إلى آخره بإسناده العالي المتصل إلى الإمام البخاري رحمهالله؛ ومنه إلى سيدنا رسول الله ﷺ.

ثم في السنة الموالية استدعي مرة ثانية وقام بإسماع وإقراء صحيح الإمام مسلم كاملا أيضا، وكذاشمائل الترمذي، والأوائل العجلونية، والأحاديث المسلسلة؛ والتي يروي جملتها – أي المسلسلات - بشروطها عن مسند الإسلام العلامة محمد ياسين الفاداني رحمه الله تعالى، كما أخبرنا بذلك رحمه الله تعالى.

     وفي علم المصطلح، درَّس الشيخ حفظه الله دراسة بحث وتحقيق: المنظومة البيقونية المشهورة، ونخبة الفكر للحافظ ابن حجر، وألفية الحديث للحافظ العراقي، واختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير مع شرحه الباعث الحثيث للمحدث الشيخ أحمد شاكر رحمهم الله تعالى، كلها مرات عديدة،[5] وكذا تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي للحافظ السيوطي، وكتاب علوم الحديث المشهور بمقدمة ابن الصلاح.[6]

     ومنهجه رحمه الله تعالى في تدريس الكتب العلمية سواء في مصطح الحديث أو غيره أنه "يجلس ليستمع إلى أحد طلبته يقرأ من كتاب... وكلما انتهى الطالب من قراءة فقرة من فقرات الكتاب؛ يقوم شيخنا بشرح ما سمعه الحاضرون بأسلوب سهل، وبعبارات ميسرة، مع تنبيهه للأخطاء العلمية، أو التي وقع فيها مؤلف الكتاب سواء كانت أخطاء في تأدية المعنى والتعبير، أو في ترجيح الآراء وإقامة الأدلة... وهكذا يكون الطالب بعد دراسة مؤلف من المؤلفات المراجع؛ قد فهم مضمون الكتاب المدروس، وتحصل على بيان تام لحل الإشكالات التي أغفلها صاحبه".[7]

يتبع...  

المصادروالمراجع: 

 1- ذكريات من حياتي، عبد الله التليدي، دارالقلم، الطبعة الأولى: 1425هـ .

2- عبدالله التليدي: العلامة المربي والمحدث الأثري، الحسين اشبوكي، دارالقلم. دمشق، الطبعةالأولى: 1425هـ/2004م.

 3- العلامة المربي المحدث الشيخ سيدي عبدالله التليدي، وهو من منشورات المجلس سنة 1434هـ/2013م.

4- نصب الموائد لذكر الفتاوى والنوادر والفوائد، الجزء الثاني، للشيخ عبدالله التليدي، دار ابن حزم، الطبعة الأولى 1416هـ/1996م. 

*********************

 

هوامش المقال:

[1]ذكريات من حياتي، ص:115.

[2] عبد الله التليدي: العلامة المربي والمحدث الأثري، ص: 64.

[3]ذكريات من حياتي، ص:79، 89، 90، 92، 93، 114، 115. ونصب الموائد 2/ 231، وعلماء في ضيافة المجلس العلمي بطنجة، مداخلة د.محمد الفقير التمسماني، ص: 34.

[4]عبد الله التليدي: العلامة المربي والمحدث الأثري، ص: 72 .

[5] علماء في ضيافة المجلس العلمي بطنجة، مداخلة د.محمد الفقير التمسماني، ص:34.

[6] عبد الله التليدي: العلامة المربي والمحدث الأثري، الحسين اشبوكي، ص:64.

[7] المرجع نفسه بتصرف يسير، ص:72-73.

بقلم الباحث: أسامة الهدار



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

العلامة المحدث أبو زيد عبد الرحمن بن إبراهيم التَّغرْغَرْتِي السوسي(1278هـ)

العلامة المحدث أبو زيد عبد الرحمن بن إبراهيم التَّغرْغَرْتِي السوسي(1278هـ)

لقد أسهمت عدة عوامل في تكوين الملكة الحديثية عند العلامة سيدي عبد الرحمن التغرغرتي، وقد ذكر بعضها حفيده عبد الرحمن المنذر التغرغرتي قال:" ومن العوامل التي ساعدته على البروز والظهور عصره الذي يمتاز بالاستقرار السياسي وبالازدهار العلمي

العلامة المحدث أبو زيد عبد الرحمن بن إبراهيم التَّغرْغَرْتِي السوسي(1278هـ)

العلامة المحدث أبو زيد عبد الرحمن بن إبراهيم التَّغرْغَرْتِي السوسي(1278هـ)

يعد علم الحديث من العلوم الأصيلة الخادمة للشريعة الإسلامية، ولأهميته أولى له علماء المغرب وسوس أهمية قصوى، حيث نبغ علماء أجلاء لهم عناية بهذا العلم الشريف تأليفا، وشرحا، واستنباطا، واختصارا...الخ.

نظرات عن منهج ابن القطان الفاسي (628)هـ في نقد الرواة ومروياتهم-الجزء الأول

نظرات عن منهج ابن القطان الفاسي (628)هـ في نقد الرواة ومروياتهم-الجزء الأول

يعد العصر الموحدي من أعظم العصور التي عاشها المغرب العربي في جل الميادين ومنها العلمية؛ فنشطت المدن وازدهرت بالعلماء وطلبة العلم، وكان من بين المدن العلمية المعتنى بها مدينة فاس التي كانت حاضرة الأندلس اجتمع فيها علم قرطبة والقيروان بعد اضطرابهما...