مختار السيرة

الحِوَارُ فِي السِّيرة النَّبَوية العَطِرَة
الحِوَارُ فِي السِّيرة النَّبَوية العَطِرَة

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه

 

 

الباحث: د/محمد علي اليُولو الجزولي

     الحمد لله الذي علَّم بالقَلم، علَّم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على خير من تكلم فأَسْمَع، وحَاوَرَ فَأَقْنَع، وجَادَلَ بالحسنى فَأَبْدَع، وعلى آله وصحبه ومن استقام على نهجه إلى يوم الدين.

      وبعد؛ فَيُعد الحِوار قيمةً إنسانيةً عاليةً، ومَنْهجًا اجتماعيًا له معانٍ، وتجلِّياتٍ عدة، فهو كالمفتاح السّحِري للأبواب المصفَّدة التي أُغْلِقت بإحكام، فيفتحها برفق ورويَّة، وكالهواء النقي الندي الذي يُزيل جبالًا من الكَآبة، وضَيْقِ العَطَن عن النُّفوس المتنافرة الشَّامِسة، وكالغَيْث الذي تَنزل قَطراته على القلوب المكلُومة الصَّدِية، فَتُزيل عنها ما رَان عليها من  جبال الاخْتلاف، والتَّدابر، والتَّقاطع.

      ولعل ما أصَاب الأمة الإسلامية اليوم، من خُصومة، وتنافر، وتشتت، هو بُعدها عن هذا المنهج العظيم، والمبدأ الأصيل وهو الحوار، الذي دعا إليه القرآن الكريم في عديد من آياته الكريمة، وأكدت عليه سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وسيرته العطرة. 

      بحيث إذا استقْرينا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، سنقف على غنى حِواره، و تنوع الفئات المجتمعية التي قصدها النبي صلى الله عليه وسلم بحديثه، فهناك حواره مع أصحابه الكرام رضوان الله عليهم، وحواره مع أهل بيته وأزواجه عليهم السلام، وحواره مع الوافدين عليه في المدينة من الأعراب، وحواره مع اليهود، والنصارى، وحواره مع المشركين عامة.

     وكان حوار النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، حوارًا شيِّقًا يحمل بين طياته الدعوة إلى الحق، وبيان جوهر الإسلام، وغَرس الإيمان ومكارم الأخلاق في نفوسهم، وكان حواره تَوجيهًا، ونُصْحًا بالأسلوب الحسن، والكلمة الطيبة، الشيء الذي أثْمر نتائج إيجابية انعكست على أفراد المجتمع المسلم، بحيث تحسن سلوكه الاجتماعي، والإنساني، وعاش ذلك الجيل الذي رباه النبي صلى الله عليه وسلم في جو من الطُّهر، والنَّقاء، والصَّفاء، والمحبة.

      لكن قبل ولوج موضوع الحوار في سيرته العطرة، لابد من تعريفه، ورسم حدوده اللغوية، والاصطلاحية، فأقول وبالله التوفيق:

مفهوم الحوار في اللغة والاصطلاح:

أ ـ الحوار في اللغة:

      جاء في «المفردات في غريب القرآن» للأصفهاني: «الحَوْرُ: التّردّد إمّا بالذّات، وإمّا بالفكر»[1]، وفي «مختار الصحاح» للرازي: « المُحَاوَرَةُ: المجاوبة، والتَحَاوُرُ: التجاوب»  [2]

      وجاء في القرآن الكريم: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُه وَهُو يُحَاوِرُه [3]. قال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية «وهو يُخَاطِبُهُ ويُكَلِّمُه»[4]، وفي «معالم التنزيل في تفسير القرآن» للبغوي: «وَهُوَ يُحَاوِرُهُ: يُخَاطِبُهُ وَيُجَاوِبُهُ»[5].

ب ـ الحوار في الاصطلاح:

      أما في الاصطلاح فالحوار (Dialogos) هو: «حديثٌ بين شخصين، أو فريقين يتم فيه تداول الكلام بينهما بطريقة مُتكافئة، فلا يستأثر به أحدهما دون الآخر».

      وجاء في المعجم الفلسفي للدكتور جميل صليبا: «التَّحَاوُر التَّجَاوُب، ولذلك كان لابد في الحوار من وجود مُتكلم، ومُخاطب، ولا بد فيه كذلك من تبادل الكلام ومراجعته، وغاية الحوار توليد الأفكار الجديدة في ذهن المتكلم، لا الاقتصار على عرض الأفكار القديمة، وفي هذا التجاوب توضيح للمعاني، وإغناء للمفاهيم، يفضيان إلى تقدم الفكر»[6].

ثانيا: نماذج من الحوار في السيرة النبوية:

أ ـ الحوار في العهد المكي:

     كان حواره صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله في المرحلة المكية، مَبنيًّا على الصَّراحة، مُنسجمًا مع الفِطرة، قَوِيَّ الحُجَّة، نَاصِع البَيان، بحيث كانت عبارته سهلةً مُيسرةً، تلج أذن السَّامع، وتَقْرَعُ ضَميره بكل سُهولة ويُسر، على الرُّغم من سلوك المشركين طريقة الجدل لدحض الحق، ودفعه بالباطل،  وكان في حواره معهم يمزج بين أسلوب الترغيب والترهيب، إذ أن فيهم من لا يَسْتَكين إلا إذا ذُكِّر بآيات التَّرهيب، وقَوَارِع الحَق ، فَينْحَاشُ مُسْتَكينًا لها، خاضعا لقوة حُجَجِها.

      ومن ذلك أن المشركين جادلوا في عقيدة البعث بعد الموت، ولم تَسْتسغها عُقُولهم القَّاصرة التي رَان عليها الجهل، والشرك قُرونًا مديدة،  حيث جاء العاص بن وائل السهمي بعظم بالٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتساءل ساخرًا إن كان الله يبعث ذلك العظم البالي!! فقال له رسول الله: «نعم، يبعث الله هذا، ثم يُميتك، ثم يُحييك، ثم يُدخلك نار جهنم»[7]، فنزلت الآيات: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ[8].

     ففي هذا الحوار الذي كان فيه مستوى اللغة عاليًا، والبيان ناصعًا، حين جاء هذا الرجل المشرك إلى النبي صلى الله عليه وسلم مُشكِّكا ومُسْتهزئًا ، لا يروم من حواره بُلوغ حَقيقة، أونَيْل فَضِيلة، فكان حوار النبي صلى الله عليه وسلم معه قويًّا في مَبْنَاه، جَلِيًّا في معناه، فأجابه بعبارة جَزْلةٍ، مختصرة، تَفِي بالمقال والمقام. 

ب ـ الحوار في العهد المدني:

      ونتحول إلى مراتب أخرى من الحوار النبوي في المرحلة المدنية، واستقرار دولة الإسلام في المدينة، بحيث تتعدد أشكال هذا الحوار، وتتنوع مضامينه، بين القوة، واللين، والعذوبة، وشدة العبارة.

       ففي فتح مكة جرى حوار شيق بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قومه القرشيين، حوار بين أُمَّةٍ مُنتصرةٍ مُسْتَعْليةٍ بالحق، وشِرْذِمة مَهْزُومة قد وَلَّت الدُّبُر، ظَانًّا منها أن مصيرها سيكون مثل مصير أسلافها في حروب الجاهلية، حيث المنتصر يجهز على المهزوم، ويغنم ماله، ويُسبي نسائه، لكن شتَّان شتان بين عهدين، ومنهجين، منهج جاهلي مُرْتَكِس في أتُون الظلم والعُنْجهية، ومنهج رباني متعالٍ بعدله، ورحمته، ورأفته، حيث فاجأهم النبي صلى الله عليه وسلم بحوار هادىء حكيم فقال : «يا معشر قريش ما تروني أني فاعل فيكم؟ قالوا: خيرًا، أخ كريم، وابن أخ كريم قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء"[9].

      وفي خضم هذا الفتح المكي، نلتقط حوارًا آخر لا يقل منزلة من الحوار الأول، بين النبي صلى الله عليه وسلم، وبين بنت عمه أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها، التي كانت قد أَجَارت رجلان من أحمائها ، من بني مخزوم، وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه قد أمر بقتلهما،  فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : «يا رسول الله زعم ابن أمي ـ تعني علي ـ أنه قَاتِلٌ رجلا قد أجرته فلان ابن هبيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ »[10].

      فانظر إلى سمو هذا الحوار النبوي الذي تخلل هذا الحديث الرائق الحكيم، هذا الحوار الذي جاء هادئا، مُتَّزِنا، حكيمًا، يَرُومُ الرَّحمة والإصلاح والخير، على الرغم من موقعه القوي، وانتصاره على قريش في عقر دارهم، إنه الحوار الإيجابي الذي يغرس الأمل في النفوس، ويُعيد للحياة بهجتها ورونقهَا، حوارٌ قد لا تجده في أدبيات الحروب القديمة والمعاصرة، حوارٌ مبني على قبول مبدأ الجِوار، وإغْفَارِ الذِّمم، والصَّفح عن من ظلم.

الخاتمة:

      لاشك أن للحوار أهميته القصوى، في نشر ثقافة قبول الأخر، والحوار الإيجابي الذي يقبل الرأي والرأي الأخر، يساهم في نشر السلام المجتمعي، ويُعين على تقارب الثقافات الكونية، لأجل بناء مستقبل إنساني، يَنْعم بالطمأنينة، والتعاون، والإنتاج، والتقدم.

وإذا تتبعنا فضائل وقيم الحوار سنقف على تجليات كثيرة، لا يسع المقال الإحاطة بها هنا، وإنما يكفيني أن أُشير إلى بعضٍ منها .

فالحمد لله الذي وفق وأعان، فله الشكر في الأولى والآخرة.

****************

لائحة المصادر والمراجع:

 

1.أصول الحوار: الندوة العالمية للشباب الإسلامي، الرياض ، وحدة الدراسات والبحوث، 1408هـ/1987م.

2.جامع البيان عن تأويل آي القرآن: لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ت: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي ، دار هجر ، ط1، 1422 هـ / 2001 م.

 3.الحوار بين الجماعات الإسلامية: د. محمد سيد أحمد المسير، دار الطباعة المحمدية، القاهرة، ط1، 1418هـ/1997م.

4.السيرة النبوية: لأبي محمد عبد الملك بن هشام، ت: محمد فتحي السيد، دار الصحابة، طنطا، ط1، 1416هـ/1995م. 

5.مختار الصحاح: لمحمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، ت : محمود خاطر، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، 1415هـ/ 1995م.

6.المستدرك على الصحيحين: لأبي عبد الله الحاكم النيسابوري المعروف بابن البيع،ت: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية،  بيروت، ط1، 1411هـ/ 1990م.

7.معالم التنزيل في تفسير القرآن: لأبي محمد الحسين بن مسعود البغوي، ت: محمد عبد الله النمر، وعثمان جمعة ضميرية، وسليمان مسلم الحرش، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط4، 1417 هـ / 1997م.

8.المعجم الفلسفي بالألفاظ العربية، والفرنسية، والإنكليزية، واللاتينية: للدكتور جميل صليبا، دار الكتاب اللبناني، 1982م.

9.المفردات في غريب القرآن: لأبي القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني، ت: صفوان عدنان الداودي، دار القلم، والدار الشامية،  دمشق بيروت، ط1، 1412 هـ.

 

هوامش المقال:

**************

([1])-المفردات في غريب القرآن: للراغب الأصفهاني (1 /262).

([2])-  مختار الصحاح : للرازي(1/167).

([3])- الكهف: 37.

([4])-  جامع البيان عن تأويل آي القرآن: للإمام الطبري(15 /263).

([5])-  معالم التنزيل في تفسير القرآن: للإمام البغوي (5 /171).

([6])-  المعجم الفلسفي: د. جميل صليبا (1 /501).

([7])-  أخرجه الحاكم في المستدرك (2 /429)، وصححه ووافقه الذهبي.

([8])-  يس: 77.

([9]) ـ السيرة النبوية لابن هشام (2 /411).

([10]) ـ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: الجزية، باب: أمان النساء وجوارهن برقم (3171). 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

الرٍّعَايَة الاجْتِمَاعِيَّة فِي السِّيرة النَّبَوية العَطِرَة

الرٍّعَايَة الاجْتِمَاعِيَّة فِي السِّيرة النَّبَوية العَطِرَة

لقد جاءت نُصوص القرآن الكريم، والسُّنة النَّبوية، والسِّيرة العَطرة لتحافظ على مَقْصد مُهمٍّ من مَقَاصد الشَّريعة الإسْلامية الغَرَّاء ألا وهو رعايةُ مَصَالح الإنْسان الاجْتماعية، والحِفاظ على كَرَامته الإنسانيَّة.

المنهج النبوي في الجمع بين الترغيب والترهيب من خلال سيرته العطرة

المنهج النبوي في الجمع بين الترغيب والترهيب من خلال سيرته العطرة

لقد دعت الأديان السماوية، والمناهج الصائبة إلى مخاطبة وجدان الإنسان وفق ركيزتين أساسيتين، هما: الترغيب والترهيب ، وذلك لأجل إصلاح شأنه ليكون إنسانا فاعلا له دور في الحياة؛  بحيث أنه من الحكمة والتبصر الجمع والموازنة بينهما، ليستطيع الإنسان العيش بين الرجاء والخوف...

أثر السيرة النبوية في فهم القرآن الكريم

أثر السيرة النبوية في فهم القرآن الكريم

لا شك فيه  أنه لا غنى للقارئ  عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في فهم القرآن الكريم، وتفسيره، وبيان معانيه، وتجلية مراميه ومقاصده الكبرى، فالسيرة النبوية هي التطبيق العملي لما جاء في القرآن الكريم، ومن تم فلابد  لقارئه أن يتعَرف على سيرة النبي صلى الله عليه وسلم