مختار السيرة

فَتْح مَكَّة: دُروسٌ فِي الأَخْلَاقِ وَالقِيم الإِنْسَانِيَّة
فَتْح مَكَّة: دُروسٌ فِي الأَخْلَاقِ وَالقِيم الإِنْسَانِيَّة

بسم الله الرحمن الرحيم

 والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه ومن وآلاه.

 

                                                                         الباحث: د. محمد علي اليولو الجزولي

مقدمة:

      الحمد لله الذي أسْبَغ النِّعم فأجْزل العطاء، وعَلِم موْرِد كل مخلوق في السِّر والخفاء، وأثبت في أم الكتاب ما أراده وشاء، فلا رادَّ لحكمه بدءً وانتهاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فتح بدعوته سبل الهدى فأنار سبيله، وفتح عليه مكة فكسر الأصنام من البيت وطهَّره.

أما بعد؛ فإن الأمة اليوم بحاجة إلى  العودة إلى السيرة النبوية تستجلي منها معالم الأخلاق، ومكارم الآداب؛ لأن سيرة نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم  مَعينٌ لا ينضب، منها يستمد المسلمون زادهم في تقربهم إلى الله تبارك وتعالى بشتى الطاعات، ومنها صيام شهر رمضان.

      هذا الشهر الكريم الذي لا يزال يجود علينا ـ ونحن في رحاب السيرة النبوية العطرة ـ بأنواره ونفحاته وأحداثه الجسام، وقد مرَّ معنا في المقال السابق الحديث عن غزوة بدر الكبرى التي عزَّ فيها الإسلام، وعلا مناره، وها نحن ننتقل بكم في هذا المقال إلى محطة أخرى من محطات تاريخ الإسلام، إنها غزوة فتح مكة البلد الأمين في السنة الثامنة من الهجرة، هذا الفتح الذي غير مجريات التاريخ، ونقل مكة من بلد تعبد فيها الأوثان، إلى بلد يعبد فيها الملك الديان، فكان هذا الفتح بلْسما شافيا، ونورا بدَّد دياجير الطغيان، وحنَادس الظلم والبهتان ، فأشرقت مكة بنور ربها، معلنة ميلاد عهد جديد، يُكرم فيه الإنسان، ويعز فيه أهل الإيمان.

      فكان فتح مكة إذن فتحا أخلاقيا نبويا بامتياز، فتحا فيه من خلق الوفاء وإغاثة الملهوف والمظلوم، وإقالة العثرات، والصفح على من له سابقة في الإسلام من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وإكرام سفير العدو، والتواضع عند النصر ، والاعتراف بفضل الله ونعمه، والعفو والسماحة وقبول الجوار، والأمانة والعرفان بالجميل، و البر بأهله وعشيرته وأبناء عمه، وإنزال الناس منازلهم...إلى غير ذلك من الأخلاق النبوية الرفيعة، ما لا تجده في تاريخ الحملات العسكرية التوسعية التي عرفها تاريخ البشرية منذ القدم إلى اليوم، فلم نسمع يوم الفتح؛ أن رجلاً مسلمًا هتك عرض امرأة، أو سرق مالا، أو هدم بيتًا، أو أفسد زرعًا، أو قتل ظلمًا، أو فزّع طفلًا،  ولهذا لما صاح قائد الأنصار سعد بن عبادة رضي الله عنه: "الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ! الْيَوْمَ تُسْتَحَلُّ الْكَعْبَةُ!"، قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: "كَذَبَ سَعْدٌ؛ وَلَكِنْ هَذَا يَوْمٌ يُعَظِّمُ اللَّهُ فِيهِ الْكَعْبَةَ، وَيَوْمٌ تُكْسَى فِيهِ الْكَعْبَةُ "[1].

     ويقول في هذا المقام المستشرق إميل درمنغم: "فقد برهن محمد  في انتصاره النهائي، على عظمة نفسية قلَّ أن يوجد لها مثال في التاريخ؛ إذ أمر جنوده أن يعفوا عن الضعفاء والمسنين والأطفال والنساء، وحذرهم أن يهدموا البيوت، أو يسلبوا التجار، أو أن يقطعوا الأشجار المثمرة، وأمرهم ألا يجردوا السيوف إلا في حال الضرورة القاهرة، بل رأيناه يؤنب بعض قواده ويصلح أخطاءهم إصلاحًا ماديًا ويقول لهم: إن نفسًا واحدة خير من أكثر الفتوح ثراء! "[2]

      فتعالوا معًا نقف وقفات نُمعن فيها النظر، ونستشف المعاني والعبر، من خلال الدروس الأخلاقية المستمدة من إدارة النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الغزوة المباركة.

      فمن هذه الأخلاق المستمدة من فتح مكة الآتي:

أولا: خلق الوفاء وإغاثة الملهوف والمظلوم:

      ويتجلى ذلك في مسارعة النبي صلى الله عليه وسلم في نصرة حلفائه من خزاعة، ونجدتهم بعد أن غدرت بهم كنانة، فحين استمع النبي صلى الله عليه وسلم لأبيات ألقاها رجل خزاعي اسمه عمرو بن سالم،  لم يتردد صلى الله عليه وسلم للحظة واحدة ، إنما قال في غاية الحزم والثبات"نُصرت يا عمرو بن سالم! لا نصرني الله إن لم أنصر بني كعب"[3] ، ولما عرض السحاب من السماء قال: "إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب" [4].وهذا تطبيق نبوي لما جاء في القرآن الكريم قال تعالى: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ)[5].

      ومن تجليات خلق الوفاء كذلك في هذه الغزوة المباركة: ما قامت به أم حبيبة بنت أبي سفيان رضي الله عنها لما آثرت رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبيها، وأبت أن يجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثانيا: خلق إقالة العثرات والصفح على من له سابقة في الإسلام من الصحابة الكرام:

      ويتجلى ذلك في تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع تصرف الصحابي حاطب بن أبي بلتعة  رضي الله عنه حين أخبر المشركين بمسير الجيش الإسلامي إلى مكة، فتجاوز عنه النبي صلى الله عليه وسلم، لماضيه المشرف، وسبقه، وتوبته وأن نيته حسنة، ولهذا لما قام بعض الصحابة وقال: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ على أَهْلِ بَدْرٍ فَقَال : اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ وجَبَتْ لَكُمُ الجنَّة أو فَقَدْ غَفرتُ لَكُمْ" [6].

ثالثا: خلق التواضع عند النصر، والاعتراف بفضل الله :

      ويتجلى ذلك في الهيئة التي دخل بها النبي صلى الله عليه وسلم مكة فاتحا، وقد طأطأ رأسه، حتى إنَّ لحيته لتمس رحلَ ناقته تواضعًا لله وخشوعًا، فلم تأخذه نشوة الفتح من الانتقام، ولم تحمله عزة النصر من الثأر، ولم يدخل مكة دخول الجبارين المستكبرين.

     كذلك من تواضعه صلى الله عليه وسلم ما قام به من معاملة عالية مع والد أبي بكر الصديق، لما أتى به للنبي صلى الله عليه وسلم وهو رجل مسن قد علاه الشيب فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه؟"[7].

رابعا: خلق العفو والسماحة وقبول الجوار:

      ويتجلى ذلك في عفوه العام على أهل مكة، وإعطائه الأمان لهم، حيث أصدر العفو العام عن قريش قائلاً: "يا معشر قريش ما تروني أني فاعل فيكم؟ قالوا: خيرًا، أخ كريم، وابن أخ كريم قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء"[8].

       أما قبوله مبدأ الجوار وإغفار الذِّمم فثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها  أجارت رجلان من أحمائها ، من بني مخزوم، وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه قد أمر بقتلهما،  فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : "يا رسول الله زعم ابن أمي ـ تعني علي ـ أنه قَاتِلٌ رجلا قد أجرته فلان ابن هبيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ "[9].

      ومن مظاهر سماحته وعفوه: استجابته لمن طلب عمامته أمارة لتأمين أحد خصومه، وإمهاله لمن استمهله في اعتناق الإسلام ليدخل فيه طائعًا مختارًا كما حدث مع صفوان بن أمية[10].

       كما يتجلى لنا قمة هذا الخلق الكريم منه صلى الله عليه وسلم حين عفا عن وحشي قاتل حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم، وعن هند بنت عتبة التي أكلت من كبد حمزة سيد الشهداء رضي الله عنه، فلو قارنت ذلك بما فعله النصارى حين دخلوا بيت المقدس، وما فعله التتار حين دخلوا بغداد، وما فعله الفونسو وايزابيلا لما دخلا قرطبة، بل ما فعله الاستعمار لماَّ دخل بلدان المسلمين من أعمال وجرائم حربية يندى لها جبين الإنسانية.

خامسا: خلق الأمانة والعرفان بالجميل:

      ويتجلى ذلك في تسليم مفاتيح الكعبة لعثمان بن أبي طلحة ؛ لأن عشيرته هم الذين كانوا يتولون ذلك في الجاهلية، فأبقى النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الوضع أمانة وعرفانا لهم، ولهذا لما رأى علي بن أبي طالب رضي الله عنه مفتاح الكعبة بيد النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، اجمع لنا الحجابة مع السقاية، فقال عليه الصلاة والسلام: "أين عثمان بن طلحة؟"، فلما جاء عثمان قال له: "يا ابن طلحة، هاكَ مفتاحك، اليوم يوم بر ووفاء"[11]، ولم يُعطه مَن طلبه منه وهو علي بن أبي طالب رضي الله عنه رغم قرابته.

سادسا: خلق البر بأهله وعشيرته وأبناء عمه:

       ويتجلى ذلك في بره وإحسانه إلى أبناء عمه أبي لهب ، فلم يؤثر كفر عمه من الإحسان والبر بأبنائه وأسرته، وكذلك نرى هذا الخلق في بره ووفائه للأنصار حين رجع معهم للمدينة، بعدما فتح الله عليه بلده الذي فارقه ثمان سنوات، لكن وفاؤه للأنصار جعله يرجع إلى المدينة المنورة برًا، وعرفانًا بجميل الأنصار، ولهذا لما  قال الأنصار:" أترون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم به"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " معاذ الله، المحيا محياكم ، والممات مماتكم"[12]، فما أعظمه من وفاء، وما أجلَّه من بر.

سابعا: خلق إنزال الناس منازلهم:

      وقد تجلَّى هذا في إجازته صلى الله عليه وسلم لأبي سفيان في كلماتٍ يقولهن، فيكون ذلك فخرًا له واعتزازًا، وهي: " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن "[13]، ينادي بها بأعلى صوته.

الخاتمة:

      الحمد لله الذي وفقني للحديث عن الدروس الأخلاقية المستمدة من إدارة النبي صلى الله عليه وسلم لغزوة الفتح الأعظم ، وما تضمنته من درر في سمو الأخلاق، وبديع القيم، وجميل المبادئ، التي لو اتخذت شعارا، وتطبيقا لعاشت الإنسانية اليوم في سلام ووئام.

      فأسأل الله تعالى أن يتقبل مني هذا العمل، ويجعله في ميزان حسناتي، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

**************

لائحة المصادر والمراجع:

1.الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه: لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، بعناية: محب الدين الخطيب، ومحمد فؤاد عبد الباقي، وقصي محب الدين الخطيب، المكتبة السلفية، القاهرة، ط1، 1400هـ.

2.السيرة النبوية: لأبي محمد عبد الملك بن هشام، ت: محمد فتحي السيد، دار الصحابة، طنطا، ط1، 1416هـ/1995م.

3.محمد رسول الله: هكذا بشرت به الأناجيل: لبشرى زخاري ميخائل، عالم الكتب، ط2، ب. تا.

 

هوامش المقال

**********

[1] -  أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: المغازي، باب: أين ركز النبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم الفتح، رقم الحديث: (4280).

[2] - محمد رسول الله هكذا بشرت به الأناجيل: لبشرى زخاري ميخائيل (ص:50).

[3] ـ السيرة النبوية لابن هشام (4 /44).

[4] ـ المصدر نفسه (4 /44).

[5] ـ الأنفال: 72.

[6] ـ  أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب: فضل من شهد بدرا  (رقم الحديث: 3983).

[7] ـ السيرة النبوية لابن هشام (2 /405).

[8] ـ السيرة النبوية لابن هشام (2 /411).

[9] ـ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: الجزية، باب: أمان النساء وجوارهن برقم (3171).

[10]ـ  السيرة النبوية لابن هشام (2 /417).

[11] ـ السيرة النبوية لابن هشام (2 /412).

 [12] ـ السيرة النبوية لابن هشام (2 /416).

[13]ـ السيرة النبوية لابن هشام (2 /401). 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

الرٍّعَايَة الاجْتِمَاعِيَّة فِي السِّيرة النَّبَوية العَطِرَة

الرٍّعَايَة الاجْتِمَاعِيَّة فِي السِّيرة النَّبَوية العَطِرَة

لقد جاءت نُصوص القرآن الكريم، والسُّنة النَّبوية، والسِّيرة العَطرة لتحافظ على مَقْصد مُهمٍّ من مَقَاصد الشَّريعة الإسْلامية الغَرَّاء ألا وهو رعايةُ مَصَالح الإنْسان الاجْتماعية، والحِفاظ على كَرَامته الإنسانيَّة.

المنهج النبوي في الجمع بين الترغيب والترهيب من خلال سيرته العطرة

المنهج النبوي في الجمع بين الترغيب والترهيب من خلال سيرته العطرة

لقد دعت الأديان السماوية، والمناهج الصائبة إلى مخاطبة وجدان الإنسان وفق ركيزتين أساسيتين، هما: الترغيب والترهيب ، وذلك لأجل إصلاح شأنه ليكون إنسانا فاعلا له دور في الحياة؛  بحيث أنه من الحكمة والتبصر الجمع والموازنة بينهما، ليستطيع الإنسان العيش بين الرجاء والخوف...

أثر السيرة النبوية في فهم القرآن الكريم

أثر السيرة النبوية في فهم القرآن الكريم

لا شك فيه  أنه لا غنى للقارئ  عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في فهم القرآن الكريم، وتفسيره، وبيان معانيه، وتجلية مراميه ومقاصده الكبرى، فالسيرة النبوية هي التطبيق العملي لما جاء في القرآن الكريم، ومن تم فلابد  لقارئه أن يتعَرف على سيرة النبي صلى الله عليه وسلم